أبي حيان الأندلسي
64
البحر المحيط في التفسير
جائزا في العربية وذلك على المصدر أي أطيعوا طاعة انتهى . وقدراه بالنصب زيد بن عليّ واليزيدي وتقدير بعضهم الرفع على إضمار ولتكن طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ ضعيف لأنه لا يحذف الفعل ويبقى الفاعل ، إلّا إذا كان ثم مشعر به نحو رِجالٌ بعد يُسَبِّحُ مبنيا للمفعول أي يسبحه رجال ، أو يجاب به نفي نحو : بلى زيد لمن قال : ما جاء أحد . أو استفهام نحو قوله : ألا هل أتى أم الحويرث مرسل * بلى خالد إن لم تعقه العوائق أي أتاها خالد . إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ أي مطلع على سرائركم ففاضحكم . والتفت من الغيبة إلى الخطاب لأنه أبلغ في تبكيتهم . ولما بكتهم بأن مطلع على سرائرهم تلطف بهم فأمرهم بطاعة اللّه والرسول وهو أمر عام للمنافقين وغيرهم . فَإِنْ تَوَلَّوْا أي فإن تتولوا . فَإِنَّما عَلَيْهِ أي على الرسول ما حُمِّلَ وهو التبليغ ومكافحة الناس بالرسالة وإعمال الجهد في إنذارهم . وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ وهو السمع والطاعة واتّباع الحق . ثم علق هدايتهم على طاعته فلا يقع إلا بطاعته وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ تقدم الكلام على مثل هذه الجملة في المائدة . روي أن بعض الصحابة شكا جهد مكافحة العدو وما كانوا فيه من الخوف وأنهم لا يضعون أسلحتهم فنزل وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ . و روي أنه عليه الصلاة والسلام لما قال بعضهم ما أتى علينا يوم نأمن من فيه ونضع السلاح ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا تغبرون إلا يسيرا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبيا ليس معه حديدة » . قال ابن عباس : وهذا الوعد وعده اللّه أمّة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم في التوراة والإنجيل . والخطاب في مِنْكُمْ للرسول وأتباعه و مِنْ للبيان أي الذين هم أنتم وعدهم اللّه أن ينصر الإسلام على الكفر ويورثهم الأرض ويجعلهم خلفاء . وقوله فِي الْأَرْضِ هي البلاد التي تجاورهم وهي جزيرة العرب ، ثم افتتحوا بلاد الشرق والغرب ومزقوا ملك الأكاسرة وملكوا خزائنهم واستولوا على الدنيا . وفي الصحيح : « زويت لي الأرض فأريت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي عنها » . قال بعض العلماء : ولذلك اتسع نطاق الإسلام في الشرق والغرب دون اتساعه في الجنوب والشمال . قلت : ولا سيما في عصرنا هذا بإسلام معظم العالم في المشرق كقبائل الترك ، وفي المغرب كبلاد السودان التكرور والحبشة وبلاد الهند .